ليما
تتربّع ليما في موقعٍ استراتيجي على ساحل المحيط الأطلسي في البيرو، وتنبض بطاقةٍ إبداعية وشغفٍ لا يهدأ بفنّ الطهي. كانت في الماضي محطةً للمسافرين بين جبال الأنديز وغابات الأمازون، أمّا اليوم فقد غدت عاصمةَ المذاقات الشهية في أميركا اللاتينية بلا منازع، حيث تمتزج الأطباق الشعبية بالفاخرة في تناغمٍ يأسر الحواس والقلوب. في ليما، تروي كلّ زاويةٍ حكاية نكهاتٍ وابتكار، من الأسواق العامرة بالروائح العطرية والفواكه الاستوائية، إلى المطاعم العالمية التي تُعيد تقديم المذاق البيروفي بلمسةٍ عصرية أنيقة. هنا، يلتقي التراث بالإبداع ليشكّلا معاً تجربة طعامٍ استثنائية، تتجلّى في أطباقٍ مبتكرة تنبض بروح البيرو، من مطاعم السيفيتشي واستراحات المأكولات البحرية إلى ورش الطهي التي تستكشف أعمق أسرار المكوّنات المحلية النادرة.
بين الكاكاو والماكامبو والكوبواسو في مطعم كيولي، تولد إبداعاتٌ حلوة لا مثيل لها، تُعيد تقديم هذه المكوّنات البيروفية الأصيلة بأسلوبٍ مبتكرٍ يفيض تفرّداً وتميّزاً.
إخراج البطاطا المحضّرة بتقنية الباشمانكا من الأرض
تجربة تتعمّق في خفايا حبّة الكاكاو
في قلب مجمّع كاسا توباك الإبداعي، يلتقي مطعما "سنترال" و"كيولي" مع مختبر الأبحاث "ماتِر" الذي أسّسه فيرخيليو مارتينيث بالتعاون مع زوجته بيا ليون. وفي هذا العالم المفعم بالتجارب، يبرز مختبر "ماسي ثيوبروما" (masiperu.com/tblen) كمساحةٍ نابضة بالابتكار، تجمع بين دقّة البحث العلمي ومتعة الاكتشاف الحسي. يركّز ماسي على دراسة الكاكاو والأنواع المشباهة له، لإعادة ابتكارها بتركيباتٍ جديدة تفتح آفاقاً غير مألوفة للنكهات. تقول الشيف كاترينا لوفداي ونحن نرتدي المآزر ونجتمع حول طاولةٍ تزدهي بالفواكه النادرة: "نعمل حالياً على أنواعٍ من عائلة الثيوبروما مثل الكاكاو والماكامبو والكوبواسو. ورغم انتمائها إلى العائلة نفسها، تتميّز كلّ واحدةٍ منها بطابعٍ فريدٍ في النكهة واللون والعطر."
وتتابع، مشيرةً إلى مرطباناتٍ تحتوي على اللبّ المخمّر والحبوب المحمّصة: "يتولّى مختبر ماتر مهمّة إجراء الأبحاث الدقيقة، متعمّقاً في نسب العناصر الغذائية والتركيبة الكيميائية والجوانب الثقافية لكلّ مكوّن، ثم نبحث في كيفية توظيف هذه المعرفة لابتكار منتجاتٍ وتجارب تجمع بين العلم والطهي والإبداع."
ما إن قطعت حبّة الكاكاو، حتى فاحت منها رائحة حامضة وزهرية فريدة. تصدر قشرتها الخارجية صوت قرمشة خفيف عند كسرها، وتبدو لزجة بفعل البكتين الطبيعي. بدوره، يبدو لبّها طريّاً وسلساً، تتصاعد منه روائح دخان الحطب وقصب السكّر، فيما تكشف بذورها الداخلية عن نكهةٍ حلوةٍ خفيفة، إذ "تمتصّ نكهات اللبّ"، كما تشرح كاترينا. ثم انتقلنا إلى مرحلة تذوّق الحبوب عبر لعقها من الخارج، فكان اللبّ الأبيض حامضاً ومنعشاً. وبينما كنا نتأمّل الصفوف الخمسة الأولى من البذور المرصوصة بإتقان في قلب كلّ حبّة كاكاو، ابتسمت كاترينا قائلة: "الطبيعة مذهلة بحقّ."
بعد ذلك، تذوّقنا نوعَي الماكامبو والكوبواسو؛ الأوّل بقوامٍ كريميٍّ ناعم ونكهةٍ تشبه المكسّرات، والثاني بلمسةٍ استوائيةٍ حادّة شبيهة بالزبادي. وأوضحت كاترينا قائلةً: "نتعامل مع الماكامبو والكوبواسو بطريقةٍ يدوية بالكامل، إذ لا تتوفّر حولهما أي مراجع تُذكر!" نُجري تجارب عديدة، ينجح بعضها ويفشل بعضها الآخر. ولكننا لا نتوقّف عن المحاولة." وأضاف الشيف إلفيس روخسيس قائلاً: "يُحمِّص سكّان الأمازون الماكامبو على النار ويتناولونه كما لو كان مكسّرات." تَلَت ذلك تجربة تذوّقٍ بدت وكأنّها من عالمٍ آخر، انتقلنا خلالها بين قواماتٍ ونكهاتٍ غير مألوفة توسّع آفاق الشوكولاتة كما نعرفها.
بدأنا بمشروبٍ محضَّر من قشرة الكاكاو بنكهته الخفيفة ولمسته الفاكهية الأقرب إلى الشاي، ثم تذوّقنا قشرة الكاكاو المغطّاة بالعسل، فانبثق منها طعمٌ يشبه التمر والفواكه المكرملة. بعدها تذوّقنا معجون الماكامبو بنسبة 80%، ففاجأنا بقوامه السلس يشبه زبدة الفول السوداني الدافئة الممزوجة بلمسةٍ من الكراميل. واختُتمت التجربة بتذوّق الكوبواسو في شكلَين مميّزين: حلوى مطاطية غنيّة بالبكتين، وسوربيه منعش بقوامٍ يذكّر بكاسترد التفاح.
في مطعم كيولي، تصطبغ جميع الأقمشة بأصباغ طبيعية
سيفيتشي سمك التراوت المحضّر على الطريقة الحرفية، مع ذرة وخس وبطاطا حلوة وفلفل حار وكمية وافرة من الليمون الأخضر، في إطار صفّ تعلّم الطهي الذي تنظّمه ماما سيليدونيا
فنّ العودة إلى الأصل
يتميّز مطعم كيولي (kjolle.com) بتصميمٍ بسيطٍ وأنيقٍ تنبض فيه الحياة، يعكس التنوع البيولوجي المذهل الذي تزخر به البيرو. فهو يقع في قلب مجمّع كاسا توباك الإبداعي، ويجسّد النُظُم البيئية المتنوّعة في البلاد عبر ألوانه وملمسه وتفاصيله المعبّرة.
حصدت الشيف بيا ليون (@pialeonkjolle) لقب أفضل شيف امرأة في العالم وأفضل شيف في أميركا اللاتينية لعام 2021. وتستمدّ إلهامها من أبحاث مختبر ماتير، لتقدّم تجربة تذوّق تجسّد تقاليد البيرو العريقة بأسلوبٍ معاصرٍ يفيض فخامةً وأناقة. ويحتلّ كيولي حالياً المرتبة 4 ضمن أفضل 50 مطعماً في أميركا اللاتينية لعام 2025، و9 على مستوى العالم في العام نفسه.
تأخذ تجربة الغداء الزوّار في رحلةٍ عبر مناظر البيرو الآسرة، مروراً بمحطاتٍ تذوّق متنوّعة. كلّ طبقٍ يُقدَّم في كيولي يستحقّ الثناء، غير أنّ بعضها يترك أثراً لا يُمحى، ولاسيّما طبق سمك قُربة غلبرتي والبطلينوس الذي يمزج الملوحة بالحلاوة في توليفةٍ غنيّة تضمّ القطيفة المذنّبة وفاكهة الباكاي الحلوة النامية في وِديان الأنديز والمناطق الأمازونية الساحلية. كما يبرز طبق الخضروات الدرنية المتعدّدة الذي يجمع بين اليوكا، والساشابابا (القرع الأمازوني البنفسجي)، والكانويا (الحبوب الحمراء الصغيرة من جبال الأنديز)، والأولوكو (الخضروات الجذرية الملوّنة). أمّا طبق البطّ مع قنفذ البحر وعشبة المونيا، فيرسم توازناً متناغماً بين البحر والبرّ.
من بين الأطباق الأخرى التي خطفت قلوبنا، يبرز طبق فلفل شارابيتا الحار مع السيسينا والسلطعون، بنكهاته الحارّة والمدخّنة والمفعمة بالتنوّع. أمّا طبق الحلويات، فجاء تجسيداً لزيارتنا الصباحية إلى مختبر ثيوبروما القريب، إذ جمع بين الكاكاو والكوبواسو والماكامبو في توليفةٍ مذهلة.
كلّ طبق في مطعم "كيولي" يروي قصّة تنبض بروح المكان، ويدعو إلى التأمّل في تفاصيله واكتشاف تاريخه العريق.
المشروبات بدورها تستحقّ إشادةً خاصة، إذ تُقدَّم ضمن برنامجٍ نابض بالحيوية من إعداد مختبر السوائل، حيث يتكامل كلّ مشروب مع الطبق المرافق له في انسجامٍ تامّ مع فلسفة الشيف بيا ليون في الطهو. فهي تتعامل مع المشروبات بوصفها امتداداً للطعام، تستكشف من خلالها القوامات والألوان والنكهات باستخدام النباتات المحلية وأنواع الشاي المخمّر والأزهار المقطّرة.
طبق لا لوكوما من مطعم أستريد إي غاستون
الشيف بيا ليون
عرّاب الطعام البيروفي
بنَى الشيف غاستون أكوريو (@gastonacurio) إرثاً متجذّراً يشكّل الركيزة التي قامت عليها النهضة البيروفية في عالم الطهي، والتي ما زالت تزدهر يوماً بعد يوم. انطلقت الثورة في تسعينيات القرن الماضي من مطعم أستريد إي غاستون، الذي أسّسه بالشراكة مع شيف الحلويات أستريد غوتشي، عندما قرّر مزج تدريبه الفرنسي الكلاسيكي في كلية كوردون بلو مع جرأة المكوّنات والنكهات البيروفية. في عام 2013، تصدّر المطعم قائمة أفضل 50 مطعماً في أميركا اللاتينية، ولاحقاً حصد أكوريو جائزة إنجاز العمر ضمن لائحة أفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2018. أربعة عقود مرت، افتُتِح خلالها أكثر من 70 مطعماً حول العالم، غير أنّ قلب مسيرته ما زال يخفق في ليما.
بالنسبة إليّ، يشكّل غداء يوم الجمعة في مطعم السيفيتشي لا مار (lamarcebicheria.com) تجربة مبهرة، أقرب إلى طقس يحتفي بالحياة، يجمع بين نضارة ثمار البحر وإيقاع الموسيقى وحفاوة الخدمة. يُغلق المطعم أبوابه باكراً عند الساعة 5:50 مساءً، ليضمن تقديم كل وجبة طازجة كما لو خرجت لتوّها من البحر... فهنا لا يُنظر إلى السيفيتشي كطبق فحسب، بل كفلسفة حياة. بدأت بتذوّق الطبق الكلاسيكي: سمك طري مغمور في صلصة ليتشي دي تيغري، وأستطيع القول إنّه كان الأفضل في رحلتي بأكملها. تلاه سيفيتشي قنفذ البحر من ماركونا مع محار تومبيس المحضّر على الطريقة الكريولية، ثم طبقٌ رئيسي من الأخطبوط المشوي على الفحم بنكهةٍ غنية متوازنة. أما مشروب بيسكو ساور بالباشن فروت فكان انفجاراً من النكهات العطرية الآسرة، يصعب الاكتفاء منه. ما زال مطعم لا مار محافظاً على مركزه الـ30 ضمن قائمة أفضل 50 مطعماً في أميركا اللاتينية حتّى اليوم، تأكيداً على تميّزه المستمر وحضوره الذي لا يخبو.
يقدّم مطعم أستريد إي غاستون (astridygaston.com) تجربة عشاء شاعرية في قصر تاريخي شُيّد قبل ثلاثة قرون خلال الحقبة الاستعمارية، ليكشف عن وجه آخر من إبداع الشيف غاستون أكوريو، يجمع بين الفخامة والرهافة في آن واحد، حتى يلامس عمق المشاعر. يُنصح بالجلوس في الباحة الخارجية حيث الأجواء الهادئة والأنوار الدافئة، والانطلاق في رحلة من النكهات الفريدة، تبدأ بطبق إسقالوب كانتواريا مع الكراث المقرمش، تليه تورتيليني فاكهة اللوكوما مع مونيير الإسقالوب ورغوة الكابوتشينو. أمّا طبق الحلويات "لا لوكوما" الذي يختتم التجربة، فيقدّم مزيجاً متناغماً من النكهات الحلوة والمالحة، يجمع بين الكاكاو المنكّه بخشب بالو سانتو ورغوة اللوكوما مع آيس كريم آلغاروبينا، ليشكّل ختاماً مثالياً لتجربة تُحفر في الذاكرة.
خضروات درنية متعدّدة الألوان من منطقة الأنديز في مطعم كيولي
حلوى من فاكهة اللوكوما والكاكاو في مطعم لا مار
الأطباق الشعبية
إن رغبتم في استكشاف أروع مطاعم ليما خلال جولة مرحة نابضة بالحياة، يمكن لشركة بيرو ترافل الشرق الأوسط تنظيم تجربة فريدة برفقة جان بيير (جاي بي) غريلو، الذي يأخذكم في رحلة طعام استثنائية تبدأ من قلب المدينة، وتحديداً من السوق المركزي، على بُعد أحياء قليلة من ساحة مايور. هناك، يرشدكم جاي بي إلى خفايا المذاقات المحلية، من فيليه لحم القرش إلى ذيل الماعز، وهو يمازحكم قائلاً: "احذروا ألّا تخلطوا بينه وبين ذيل الكلب!"، وصولاً إلى فلفل آخي أماريلو وروكوتو الشهيرَين. ويعلّق مبتسماً: "الفلفل الحارّ هو روح المطبخ البيروفي، ومن دونه لا يكتمل أيّ طبق." بعد جولة من تذوّق لفائف مين باو الطرية المحضّرة على البخار في حي تشايناتاون، يحين وقت التوقّف في مقهى فيرجن ديل كارمن لتذوّق التشوروز الساخنة المقرمشة المحشوة بالكراميل المملّح، حلوى تجعل المرء يبتسم قبل أن يتذوّقها. ثم تُستكمل الجولة بتذوّق بودينغ مازامورا مورادا التقليدي المصنوع من الذرة البنفسجية والمُطعّم بالقرفة والقرنفل، تتوّجه طبقة من الفواكه لتمنحه نكهة دافئة ومريحة.
وتُختتم الرحلة بزيارة مطعم بيكارونيس ماري (@picaronesmary) في منتزه كينيدي، حيث يُقدّم طبق البيكارونيس الشهير، وهو دونات مصنوع من البطاطا الحلوة والقرع، تُقدّم ذهبية اللون ومقرمشة، مغمّسة بشرابٍ مُحلّى لا يُقاوَم. كنت قد شاهدتها يوماً في أحد مسلسلات نتفليكس، وأستطيع القول بثقة: إنّها تستحقّ تماماً كلّ الضجّة التي أُثيرت حولها.
الشيف فيرجيلو مارتينيز في حديقة مطعم كاسا توباك
إسقالوب مع كراث في مطعم أستريد إي غاستون
أفضل الوجهات للإقامة
يُعدّ حيّ ميرافلوريس من أرقى أحياء ليما، حيث تمتزج الإطلالات الخلّابة على المحيط الهادئ مع طاقةٍ عالمية تنبض بتنوّع الثقافات وهدوء الساحل المهيب. وسط هذا المشهد الساحر، يعلو فندق آي سي من ماريوت (ac-hotels.marriott.com) فوق جرفٍ صخريٍ يطلّ على شاطئ كوستا فيردي، ليقدّم ملاذاً راقياً يضمّ مساكن أنيقة مطلّة على البحر. من التراس الواقع على السطح إلى المطعم في الطابق الحادي عشر، وصولاً إلى الغرف المواجهة للأفق، ينعم الضيوف بمشهد أخّاذ للطائرات الشراعية وهي تنساب في الهواء فوق الامتداد الأزرق، فيما تغيب الشمس بهدوء خلف الأفق.
يُعدّ حيّ ميرافلوريس من أرقى أحياء ليما، حيث تمتزج الإطلالات الخلّابة على المحيط الهادئ مع طاقةٍ عالمية تنبض بتنوّع الثقافات وهدوء الساحل المهيب. وسط هذا المشهد الساحر، يعلو فندق آي سي من ماريوت (ac-hotels.marriott.com) فوق جرفٍ صخريٍ يطلّ على شاطئ كوستا فيردي، ليقدّم ملاذاً راقياً يضمّ مساكن أنيقة مطلّة على البحر. من التراس الواقع على السطح إلى المطعم في الطابق الحادي عشر، وصولاً إلى الغرف المواجهة للأفق، ينعم الضيوف بمشهد أخّاذ للطائرات الشراعية وهي تنساب في الهواء فوق الامتداد الأزرق، فيما تغيب الشمس بهدوء خلف الأفق.
وبعيداً قليلاً عن البحر، في شارع هادئ، يقدّم فندق ألوفت ميرافلوريس (aloft-hotels.marriott.com) تجربة أكثر عصرية وحيوية، صُمّمت خصيصاً لجيل يعشق الإيقاع السريع والحياة النابضة. بين الغرف الأنيقة والمطعم العصري والاستراحة المفتوحة على مدار الساعة، يشكّل الفندق وجهةً مثالية للمسافرين الذين يحبّون البقاء على تواصل دائم مع العالم. في الجهة المقابلة، يقع مطعم تانتا (@tanta_peru) للشيف غاستون أكوريو، الذي يقدّم أطباقاً شهية تعبّر عن روح المطبخ البيروفي بلمسة دافئة. ننصحكم بتجربة طبق البيض المقلي مع موز البلانتين الذهبي ومشاركته مع أحبائكم، ولا تفوّتوا سموذي كاسترد التفاح الذي يختصر نكهات بيرو في رشفة واحدة!
دونات البطاطا "بيكارونيس" الساخنة المكسوة بالقطر في مطعم بيكارونيس ماري
الباحة الاستثنائية في مطعم أستريد إي غاستون
بين مدينة كوسكو القديمة والوادي المقدّس
بين قمم الأنديز الشاهقة، تستقرّ مدينة كوسكو القديمة والوادي المقدّس كجوهرتين متكاملتين، تجمعان بين التقاليد الأصيلة والتطوّر العصري، وبين بساطة الحياة الجبلية وفخامة التجربة الراقية. في كوسكو، تتلاصق البيوت ذات الأسقف المكسوّة بالقرميد على طول الأزقّة المرصوفة بالحجارة، حيث تمشي الجدّات بقبّعاتهنّ الطويلة ويمسكن الألباكا الأليفة، بينما تعبق الأجواء بعطر القهوة الفاخرة المنبعث من المقاهي الأنيقة والمتاجر الحرفية الراقية. تلتقي العصور هنا في لوحةٍ واحدة، تمتزج فيها جدران الإنكا الحجرية مع واجهات الحقبة الاستعمارية وأسواق الطعام المفعمة بالألوان، التي تقدّم أطيب خيرات جبال الأنديز. أمّا خارج المدينة، فينحدر الوادي المقدّس وسط مشهدٍ مهيبٍ من الخُضرة، حيث تمتد الحقول الخصبة على شكل جلول، وتُحضّر البطاطا بأسلوب الباتشامانكا التقليدي تحت الأرض، في مشهدٍ يجسّد روح الأرض وكرمها معاً.
أصناف البطاطا الـ3300 التي تحتضنها البيرو، بنكهات ترابية وشهية، لم يسبق لكم أن تذوّقتوا مثيلاً لها أبداً
الذرة البنفسجية، مكونٌ يدخل في تحضير مئات الأطباق والمشروبات اللذيذة
من السوق إلى المائدة مباشرةً
عند خوض تجربة الطهي مع ماما سيلدونيا (@mamaseledonia) في الصباح، يجد الزائر نفسه غارقاً في تفاصيل الحياة اليومية لسكّان كوسكو القدامى. قبل أن تبدأ تجربة تحضير الطعام، دعتنا ماما سيلدونيا لمرافقتها إلى سوق سان بيدرو، حيث تفوح الروائح الغنية من كل زاوية. مررنا بين أسطوانات جبنة الأنديز المرصوفة بعناية، وأدلاء الزيتون اللامعة، وقطع لحم شاركوي المقدّد المعلّقة في الهواء، فيما كانت أكشاك الطعام تُحضّر سندويشات بوتيفارا الطازجة المحشوة بالمخللات الحامضة.
وبينما كنّا نتنقّل بين الأزقّة، كانت ماما سيلدونيا تحيي الباعة جميعهم بأسمائهم. وقالت بثقةٍ: "أشتري منتجاتي دائماً من معارفي، فهم يعرفون تماماً ما أحبّ." ثم أضافت: "حين تقوم العلاقة على الثقة، تنتفي الحاجة لأيّ غشّ أو خداع."
ثم واصلنا جولتنا إلى متجر كاسكابارو القريب، حيث تنتشر رائحة الفلفل الحار في الأجواء. تتراصف الأكياس المملوءة بأنواع البطاطا الأصلية، منها المورايا البيضاء المجفّفة، بينما تتألّق منصة الفواكه المفضّلة لدى سيلدونيا بألوان زاهية تسرّ العين. تتلألأ الأسماك تحت ضوء الصباح، وتُعلّق الدواجن مقلوبة كما جرت العادة، فيما تملأ الأدلية بحيوانات خنزير الهند الشهيرة. وكان الباعة يقدّمون لنا عيناتٍ من منتجاتهم بكرمٍ واضح، فقالت ماما سيلدونيا: "ابتسامة واحدة تكفي لتُفتح أمامكم كلّ الأبواب."
بعد جولة حافلة في الأسواق، عدنا إلى مطعم ماما سيلدونيا، الكائن في قلب منزلٍ تاريخي يعود إلى الحقبة الاستعمارية. هناك بدأ الدرس الأول: تحضير كوكتيل بيسكو ساور بنكهته المنعشة، ثم فرم البطاطا المجفّفة لإعداد شوربة الدجاج المعطّرة بأعشاب الأنديز الجبلية. وبينما كان البخار يتصاعد في أرجاء المكان، شرعت ماما تروي قصتها بصوت هادئ يمتزج برائحة الطهو: في السابعة من عمرها، أُرسلت للعمل في أحد المطابخ، ثم طُردت بعد فترة بسبب حملها. واليوم، تبدّلت أحوالها، فأصبحت صاحبة شركة حائزة على جوائز، لا توظف فيها سوى النساء. قالت بابتسامةٍ تنبض بالعزم: "نحن النساء دائماً نجد طريقة لننهض." ثم أضافت برفق وهي تحرّك الشوربة: "هذا الطعام... يروي قصّتي."
انتقلنا بعدها إلى تحضير الأطباق الرئيسية، فاخترنا إعداد سيفيتشي سمك التراوت من الصفر. خلال رحلتنا كنّا نتذوّق هذا الطبق يومياً، ولكنّ هذه المرة كانت التجربة مختلفة تماماً. فأوضحت لنا ماما سيلدونيا مبتسمةً: "السرّ هو الحبّ!"
واختُتمت التجربة بمشهدٍ يزخر بالألوان والنكهات، مع طبق فواكه استوائية حيوية يتوسّطه التوت الأزرق المميّز بحجمه الكبير وطراوته. ثمّ غمّسنا شرائح خبز شوتا الحلو في كوبٍ من الشوكولاتة الساخنة الكثيفة المنكّهة بالقرفة.
ماما سيليدونيا
وليمة من البطاطا المحضّرة بتقنية الباشمانكا، تُقدّم مع اللحوم
طقس الطهي بين الأحجار
وفي أولنتايتامبو، إحدى أكثر مدن الإنكا حفاظاً على تراثها، تمتدّ الشوارع المرصوفة بالحصى وقنوات الري التي لا تزال تتدفّق بالمياه منذ القرن الثالث عشر، ليغمر المكان جوٌّ عتيق يبعث الدهشة.
بجوار مسار القطار، يقع فندق إيل ألبيرغوي (en.elalbergue.com)، على بُعد خطواتٍ من البلدة الصغيرة التي يستريح فيها المسافرون قبل الانطلاق نحو ماتشو بيتشو. يبدو الفندق كواحةٍ من السكون، يتوقّف الزمن بين حدائقه الغنّاء. يقع الفندق التاريخي بين التلال المدرّجة، ويحتضن مزرعة عضوية عاملة حيث يُمارَس طقس الباتشامانكا التقليدي الذي يعود لقرون،
حيث تُرصّ طبقات الحجارة الساخنة في باطن الأرض وتُلفّ اللحوم الطرية والخضروات الجذرية المحلية في أوراق الأشجار قبل دفنها بين الأعشاب العطرية. يشرح لنا المضيف، بينما يسكب قطراتٍ من ليكور قصب السكّر في الأرض كقربانٍ رمزيٍّ لأمّنا الأرض باتشاماما: "قبل أن نأكل، يجب أن نطعم الأرض أولاً." كلّ ما نملكه نأخذه منها، وهذه طريقتنا للتعبير عن امتناننا لها."
بعد استخراج الوجبة من باطن الأرض، تُقدّم على موائد خشبية طويلة ليتشاركها الجميع. تتنوّع الأصناف بين الدجاج ولحم الضأن الطري (مع خيار لحم الألباكا أو الأرنب عند الطلب)، إلى جانب الذرة المشوية والفول والكِينوا والجبنة المطهية في أوعية من الصلصال. ومع هذه الوليمة الغنية، يُقدّم مشروب الشيشا مورادا المصنوع من الذرة البنفسجية المتبّلة بالقرفة والقرنفل.
على بُعد مسافة قصيرة من المدينة، تمتد ملاحات مارا الشهيرة بملحها الوردي المميّز، حيث يمكنكم جمع أكياس صغيرة من هذا المكوّن الزهري الثمين.
المورايا، بطاطا بيضاء مجفّفة، يحلو استخدامها في الشوربات ويذيع صيتها إذ تدوم لوقتٍ طويل
الوجه المعاصر لميدنة كوسكو
تقدّم علامة توتيميك (@totemiqperu) ورش عمل تفاعلية غامرة تحتفي بثقافة كوسكو الحيّة، من خلال الفنّ والقهوة وروح التعايش مع الآخرين. أسّست الفنانة بيرينيس دياز هذه المساحة الإبداعية المشتركة، التي تهدف إلى إحياء التراث الأنديزي بأسلوب معاصر، حيث يصنع المشاركون نسخهم من ثور بوكارا، الرمز الأيقوني للأنديز، مستخدمين تقنيات التزيين التقليدية بالورق الذهبي. تُقام هذه التجربة بالتعاون مع الشركة الاجتماعية فلورينسيا إي فورتوناتا (@florenciayfortunata.cafe)، المتخصصة في تمكين النساء وتقديم أصناف القهوة المختصّة الفاخرة. تبدأ الورشة بتذوّق القهوة، قبل أن ينطلق المشاركون في تصميم الثور الذهبي الذي يأخذونه معهم لاحقاً إلى منازلهم كتذكار رمزي.
في الطابق الثاني من منزلٍ استعماري في كوسكو، يتألّق مطعم تشيتشولينا (@cicciolinacusco) بألوانٍ حمراء قانية حيث تنعكس أضواء الشمعدانات على الجدران، وتختلط رائحة الطعام بأصوات الأحاديث الدافئة بين الزوّار. بين الطاولات المزدانة بأغطية أنيقة والكراسي الجلدية والأعمال الفنية الجريئة، تُقدَّم أطباق تمزج المذاق الإيطالي بالروح البيروفية، مثل أوسّو بوكو الطريّ مع رافيولي اليقطين الحلو، وغيوزا خنزير الهند. ولمن يخطّطون لنزهةٍ طويلة في الوادي المقدّس، يقدّم مطعم تشيتشولينا (@cicciolinacafe) علب طعامٍ مخصّصة للنزهات، تُحضر بعناية لترافقكم في رحلتكم بين الجبال. أما إذا رغبتُم بتأمّل مشهدٍ بانورامي يأسر الأنفاس، فاتّجهوا نحو ساحة بلازا سان بلاس، واصعدوا السلالم المرصوفة بالحجارة مروراً بمتاجر المجوهرات واستديوهات الحرفيين، لتصلوا إلى مطعم ومقهى ليمبوس (limbusrestobar.com) المعلّق فوق المدينة. هناك، يمكنكم طلب البرغر والجلوس على الشرفة لتتأملوا مشهداً يخطف الأنفاس: مباني كوسكو تصطف على السفوح، وأضواؤها المتلألئة تتناثر في الوادي كما لو كانت مئات أضواء عيد الميلاد المعلّقة في السماء.
خبز شوتا، طري ومعطّر باليانسون
بين القهوة والابتكار في ورشة عمل توتيميك
أفضل الوجهات للإقامة
يتباهى بالاسيو ديل إنكا، أحد فنادق لاكشري كوليكشن (the-luxury-collection.marriott.com)، بفخامةٍ نابعة من إرثه الممتد على خمسة قرون من التاريخ، ويقع مقابل كنيسة سانتو دومينغو المهيبة المبنية فوق معبد الإنكا المقدّس كوريكانشا. ومن الفندق، تتجلّى الكنيسة في أبهى حللها عندما تغيب الشمس، حين ينعكس ضوء الشموع على الجدران الحجرية العريقة. كان الفندق في الماضي قصراً من الحقبة الاستعمارية، واليوم يجمع بين الفخامة الإسبانية الكلاسيكية وإرث الإنكا العريق، حيث تلتقي في أروقته الأقواس المنقوشة والأعمدة الفاخرة، وتُزيّن جدرانه أعمالٌ فنية قديمة، فيما تتلألأ ساحاته المرصوفة ببلاط مرسوم يدوياً. أمّا غرف النوم فتجسّد جوهر فخامة كوسكو، بأثاثٍ من الخشب الصلب ولمساتٍ ذهبية أنيقة، وإطلالاتٍ آسرة على الجبال المحيطة. كما يقدّم المطعم أطباق الأنديز الشهية من شروق الشمس حتى غروبها. ابدؤوا نهاركم في الباحة المرصوفة بالحجارة بكوبٍ من الكاكاو العضوي الساخن، لتعيشوا لحظة أشبه بالحلم. وهنا، ستلتقون بالألبكا الصغير "إنتي"، المقيم في الفندق والمسمّى تيمّناً بإله الشمس، الذي ينتظر دائماً لمسة حنان من زوّاره.
على ضفة نهر فيلكانوتا الهادئ، يستكنّ ملاذ أرانوا سيكرت فالي (aranwahotels.com) داخل منزلٍ تاريخي أعيد ترميمه بعناية، ويعود إلى القرن السابع عشر، ليجسّد روح الحياة في جبال الأنديز حيث يلتقي التاريخ بالطبيعة في انسجامٍ تام. يبعد المنتجع نحو ثلاثين دقيقة بالسيارة عن أولنتايتامبو، ما يجعله الوجهة المثالية للاسترخاء واستعادة الطاقة قبل الانطلاق باكراً نحو ماتشو بيتشو. يستكنّ المنتجع بين أحضان الحدائق المليئة بالأوركيد مبانيه وتتخلّله قنوات مائية تتغنّى بمياهها المتلألئة، في مشهدٍ يبدو أقرب إلى واحة متكاملة من السكون والرونق.

تقدّم شركة بيرو ترافل الشرق الأوسط، ومقرها دبي، برامج سفر مُخصّصة ورحلات لا تُنسى. كما تهتمّ بأدقّ التفاصيل من خلال خدمة شخصية تلبي تطلّعات كلّ ضيف، من حجز الطاولات في أبرز المطاعم والفنادق الفاخرة، إلى تنظيم وسائل النقل والتجارب المحلية الأصيلة التي تمنح كلّ رحلة طابعها الخاص. للحجز، زوروا الموقع الإلكتروني perutravel.me