مع بداية شهر نوفبر، تعبق متاجر سبينيس برائحة الصنوبر، ونشعر ببداية تجربة فريدة لا تُنسى. ينبعث هذا العطر من أشجار التنوب النوردمانية التي تزرعها بعناية ترين غريس على ساحل الدنمارك، شريكتنا المخلصة منذ سنوات في تقديم أجمل أشجار عيد الميلاد.
أتذكر أوّل مرّة تجوّلت فيها في مزرعة بييرسغوغو، حيث امتزج نسيم البحر المالح برائحة إبر التنّوب العطرة، وحلّقت طيور النورس فوق رؤوسنا، فيما امتدّت صفوف الأشجار الخضراء العميقة عبر 30 هكتاراً من التلال المتدحرجة برفق، كأنّ الأرض نفسها تتنفّس. قالت ترين مبتسمةً، وعيونها تتأمّل امتداد حقولها: "الحرية تعني لي كل شيء، ولهذا لم أرَ داعياً لبناء أسوار".
ترين وهوغو – صديقها المخلص
تُصدّر ترين أشجارها إلى ألمانيا
ترسّخت جذور عائلتها في هذه الأرض لأجيال. اشترى جدّها الأرض في أوائل القرن العشرين، وكانت مزرعة فواكه تضمّ أشجار التفاح والغابات، ثم أضاف إليها أولى أشجار التنوب نوبيليس والنوردمان. وُلدت ترين في إنجلترا لأم دنماركية وأب إنجليزي، وعادت مع عائلتها إلى الدنمارك في سن الخامسة، حيث نشأت تركب الخيل في التلال، وتساعد في الحصاد، وتتعلّم إيقاعات الطبيعة من والدها. في عام 1977، تولّت ترين إدارة المزرعة وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، وما زالت تعتني بها حتى اليوم.
خلال السنوات الأولى، كانت ترين تزرع التفاح إلى جانب أشجار عيد الميلاد، لكن بحلول عام 1998 قرّرت التركيز بالكامل على شجرة التنوب النوردمانية، الصنف المعروف بتناسقه الرائع، ولونه الأخضر الزاهي، وإبره القوية التي تدوم طويلاً دون أن تتساقط.
تُزرع أكثر من 30 هكتاراً من أشجار التنوب النوردمانية في مزرعة بييرسغوغو
تُقطع الأشجار في سبينيس خلال شهر أكتوبر
وأوضحت ترين قائلةً: "تستغرق الشجرة نحو سبع سنوات لتصل إلى الحجم الذي تراه في المتجر، وقد تمتدّ هذه الفترة إلى عشر سنوات للأشجار الأطول."
مع قدوم شهر مايو، تزرع ترين آلاف الشتلات الصغيرة، التي بدأت حياتها كبذور في جبال القوقاز بجورجيا. وتُربّى هذه الشتلات في دفيئات زراعية لمدة ثلاث سنوات قبل نقلها إلى التربة الرملية الساحلية لمزرعة بييرسغوغو، التي تمنحها جمالها الفريد. تقع المزرعة على بُعد 500 متر فقط من البحر، حيث الهواء معتدل والتربة جيّدة التصريف طبيعياً.
وتُضيف ترين قائلةً: "تنمو الأشجار هنا ببطء، ما يمنح أغصانها قوةً وجمالاً متوازناً. ونكاد نكون بمنأى عن الصقيع، ما يجعل مشاهدة هذا المشهد تجربةً لا تُنسى."
تختار ترين بعنايةٍ الأشجار الأكثر تميّزاً لتُشحن إلى دولة الإمارات العربية المتحدة
تزرع ترين غريس أشجار التنوب النوردمانية على الساحل الدنماركي
تجمع ترين في كلّ خطوةٍ من عملها بين الاستدامة والكفاءة. تلتزم مزرعة بييرسغوغو بإرشادات الاتحاد الأوروبي الصارمة في زراعة النباتات، فتتجنّب استخدام المواد الكيميائية، وتعتمد حصراً على الأسمدة العضوية. منذ عام 1998، يعمل إميل وإديث، زميلا ترين المخلصان، إلى جانبها للاهتمام بكلّ مرحلةٍ من مراحل حياة الأشجار: من الزراعة والتشذيب، مروراً بالتشكيل، وصولاً إلى القطع، في عمليةٍ دقيقةٍ تتطلّب صبراً وعنايةً فائقة.
تفسّر ترين قائلةً: "تحبّ الطيور أن تبني أعشاشها بين الأشجار في الربيع، منظرٌ جميل، وإن كانت الفوضى تعبث قليلاً بانسجام الأغصان! "أمّا الأرانب البرّية، فلا تستطيع مقاومة الشتلات الصغيرة، وكأنّها وجبتها المفضّلة!"
مع حلول شهر أكتوبر، يبدأ موسم الحصاد. تختار ترين كل شجرة بعناية، وتتركها "لترتاح" يومين على الأرض قبل قطعها، وهي خطوةٌ أساسيّة تضمن ألّا تتعرّض الشجرة لصدمةٍ بعد القطع. ثم تُغلّف وتُشبك وتُرصّ داخل الحاويات، لتنطلق في رحلتها الطويلة نحو دبي، لمسافةٍ تبلغ 6,692 ميلاً بحرياً.
وتقول ترين: "ما زلتُ أندهش في كلّ مرة أرى فيها العائلات في دولة الإمارات العربية المتحدة تزيّن الأشجار التي نمت في مزرعتي."
حالما تصل أشجار التنوب النوردمانية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، عادةً في أواخر نوفمبر، تحافظ على رونقها الطبيعي. وعند حفظها في بيئةٍ باردةٍ ورطبة، تحتفظ بتألّقها ونضارتها لما يصل إلى أربعة أشهر، في دليلٍ على متانتها وأناقتها الطبيعية رغم رحلتها الطويلة عبر القارّات.
بالنسبة إلى ترين، لا يقتصر العمل على زراعة الأشجار فحسب، بل هو أسلوب حياةٍ يعبّر عن شغفها بجمال الطبيعة بكلّ تفاصيله. تصعد إلى قمة تلتها المفضّلة لتتأمّل أرضها المكسوّة بصفوف أشجار التنّوب، وبيت المزرعة ذي السقف الأحمر، والبحر الفضيّ المتلألئ في الأفق. وتصرّح قائلةً: "إنه أجمل منظر في العالم. من هناك أرى ثمرة جهدي، ومستقبل أحلامي."