بدأ قطاع الطعام في جميع أنحاء العالم يتأثّر بالذكاء الاصطناعي بشكل كبير. نبدأ محلياً في دبي من سلسلة تقديم البيتزا الذكية دودو، حيث كلّف الشيف سبارتاك أروتيونيان منصة شات جي بي تي بابتكار وصفة قد تُعجب العملاء في هذه المدينة. فابتكر الروبوت بيتزا مع طع تشبه الكفتة على الوجه، مغمّسة بصلصة طحينة وسماق وزعتر، وتبيّن أنّ طعمها لا بأس به، ويمكن إضافتها إلى قائمة الطعام (بعد إجراء تعديلات بسيطة إليها).

"تخيلنا جواز سفر مخصّصاً لأصناف الطعام يخزّن معلوماتكم بأمان، ويعالجها نظامٌ لتصميم وصفات مخصّصة لتلبّي أذواقكم وما إلى ذلك."
"تخيلنا جواز سفر مخصّصاً لأصناف الطعام يخزّن معلوماتكم بأمان، ويعالجها نظامٌ لتصميم وصفات مخصّصة لتلبّي أذواقكم وما إلى ذلك."

بدأ استخدام عددٍ من تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في قطاع إنتاج الأطعمة، حيث تعمل الآلات الذكية على "الاختراق الحيوي". في هذا الصدد، بات بإمكان بعض الخوارزميات التي تمّ تزويدها بمهارات حيوية فيزيائية، أن تنتج بروتينات وأنزيمات جديدة، تستهدف الخصائص الجينومية المعزِّزة للصحة وتتحكّم بها، وتصمّم مكوّنات معيّنة بأساليب دقيقة لتصبح مناسبة لأشخاص يعانون عدم تقبل لها أو حساسية عليها. بالتالي، استطاعت شركات ناشئة ناجحة مثل ريد بلوم أن تصنع صلصة حارّة لا تسبّب ظهور أعراض متلازمة القولون العصبي مثلاً. من جهتها، تمكنت الشركة التشيلية نات كو من ابتكار بدائل نباتية صرفة للمنتجات الحيوانية المعروفة، وأصبحت من أهم الرواد في السوق. ويفسّر إيريك الموضوع قائلاً: "يستخدمون الذكاء الاصطناعي مثلاً لابتكار نوع نباتي صرف من الحليب، يتمتّع بالبروتينات والنكهات نفسها الموجودة في الحليب الطبيعي، ولكنّه يخلو من الدهون النباتية. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي محلياً بهذه الطريقة لصناعة الخبز وجعله منفوشاً أو مقرمشاً أكثر، عن طريق إجراء تغييرات قليلة".

ننتقل بالحديث إلى أكبر التحديات التي تواجه قطاع الطعام، وأوّلها الحاجة إلى تغذية عدد يتجاوز 8 مليار شخص على الكوكب، في وقتٍ تعاني المزروعات خطر التغيّر المناخي، وتشوب خلافاتٌ كبرى سلاسل التوريد. الآن، آمالنا كلّها معلّقة على الآلات الذكية، متمنّين أن تبتكر لهذه المشاكل حلولاً تكون بالذكاء نفسه الذي عوّدتنا عليه. ويعلّق إيريك قائلاً: "يمكن القول إنّنا أكثر جيلٍ يملك إمكانات في التاريخ البشري، إذ يتوفر أمامنا فيضٌ لامتناهٍ من المعلومات. فقد عشت في بوليفيا لمدّة سنتين، حيث قابلت فلاحين يستخدمون هواتف ذكية في جبال نائية بعيدة كلّ البُعد عن مظاهر التمدّن.

في عصرنا، يمكن لأي شخص لديه الفضول الكافي أن يحصل على كل المعلومات أينما وجِد، وإذا كانت هذه المعارف متوفرة للجميع، فقد يكون هذا الحلّ الوحيد للمشاكل التي تواجهنا".

من المهمّ فهم أنّ الأجهزة التي نستخدمها لاستقاء المعلومات تجمع بدورها معلومات عنّا. فالذكاء الاصطناعي يعالج معلوماتنا من خلال حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي وعمليات الشراء التي نجريها عبر الإنترنت، وقريباً ستبدأ أجهزة التعرّف على الوجوه بعرض المعلومات الأساسية عن كلّ منّا عندما نتناول الطعام في الخارج. ويُعقّب إيريك: "ستظهر معلومات عنكم، مثل فئتكم العمرية ونوعكم الاجتماعي وإذا كنتم تتناولون الطعام لوحدكم والساعة وغيرها من البيانات. وقد تؤدي هذه البيانات دوراً أساسياً في زيادة المبيعات".

ثمة تقنيات تُستخدم منذ سنوات في الفنادق والمطارات سيبدأ اعتمادها في المطاعم، وبهذا ستتغيّر أشكال قوائم الطعام بحسب تغيّر الطلب، مثلاً سيرتفع سعر الأطباق المحبوبة في أوقات الذروة، وستظهر الأطباق التي يمكن إعدادها بسرعة وسهولة في السطور الأولى من قوائم الطعام الرقمية.

غير أنّ الموضوع الأساسي الذي لا بدّ من الحديث عنه هو "تخصيص الحمض النووي". ويشرح قائلاً: "ما زالت هذه العملية في مراحلها الأولى، إلّا أنّه قد أصدر مع فريقه تقريراً عن "مطعم المستقبل"، يشرح فيه توقّعاته حول هذا الموضوع. "تخيلنا جواز سفر مخصّصاً لأصناف الطعام يخزّن معلوماتكم بأمان، ويعالجها نظامٌ لتصميم وصفات مخصّصة لتلبّي أذواقكم وما إلى ذلك". وعليه، سيتمّ تصميم تجربة تناول الطعام في الوقت الفعلي بحسب ذوقكم ومتطلّباتكم الغذائية. وقد أجرى مختبر الابتكار في هارفارد اختباراً مشابهاً، حيث قدّموا للضيوف استبياناً حسياً ليملؤوه بدلاً من قائمة طعام، ليحددوا تفضيلاتهم ويقدّموا لهم وجبة تلبّيها.

بعدها، تقوم خوارزمية الذكاء الاصطناعي بتصميم قائمة الطعام بحسب هذه التفضيلات وترسلها إلى مطبخ المختبر. "أظهرت النتائج أنّ أفراد المجموعة الخاضعة للدراسة أحبّوا الطعام الذي تمّ تقديمه لهم، والأهم أنّهم جرّبوا أطباقاً لم يكونوا ليقبلوا بتجربتها بطريقة أخرى". ويعتبر إيريك أنّ هذا النوع من التفاعلات سيشكّل عاملاً أساسياً في تحديد مفهوم تجارب الطعام خلال السنوات القادمة. قد تكون هذه الأفكار غربية وجريئة وتطفلية حتى. لكنّها مصممة لتلبية متطلباتنا واحتياجاتنا الفريدة، ولتحديد ما نحبّه وما نكرهه، وتزويدنا بتجربة طعام مثالية تحاكي تطلعاتنا بشكل مثالي للمرّة الأولى في حياتنا.