لم يترك الملك شارل السادس إنجازات كثيرة ذات أثر دائم خلال فترة حكمه الطويلة والمضطربة لفرنسا في العصور الوسطى. فقد بدّدت نوبات الذهان التي أصابته لاحقاً معظم النجاحات المتواضعة التي حققها في بداية عهده، حتى إنّه هاجم جنوده ذات مرة. ومع ذلك، لا يزال مزارعو الألبان وبائعو الجبنة وعشّاق الأطعمة الفاخرة يحملون تقديراً خاصاً لـ"شارل المجنون"، إذ كان أيضاً أوّل حاكم يمنح المنتجات الإقليمية في مملكته ما تستحقه من اهتمام وتقدير.

وبموجب مرسوم أصدره عام 1411، منح حرفيي روكفورت سور سولزون حقوقاً حصرية بوصفهم المنتجين المرخّص لهم رسمياً بصناعة جبنة الأغنام الزرقاء المميّزة للبلدة، والتي تُعتّق في الكهوف الواقعة خارج القرية. وقد عُرف روكفورت منذ ذلك الحين باسم "ملك الأجبان"، ويمكن اعتباره السلف التاريخي لما نعرفه اليوم باسم "تسمية محمية المنشأ"، وهو النظام الحديث الذي يطبّق قواعد وضوابط مماثلة على مجموعة واسعة من المنتجات في أنحاء الاتحاد الأوروبي.

اللحوم والخبز والزبدة والعسل والزيوت والمكسّرات والطماطم والبطاطا والتوابل مثل الزعفران والبابريكا... من كروم وسط إسبانيا إلى مصائد الأسماك على سواحل السويد، تتّسع باستمرار قائمة المنتجات الغذائية الأوروبية التي تشملها حماية تسمية محمية المنشأ منذ إطلاق هذا النظام عام 1992، بعد فترة وجيزة من إبرام معاهدة ماستريخت التي أسست لقيام الاتحاد الأوروبي.

وفي فرنسا وحدها، تحمل اليوم نحو 700 من المنتجات الغذائية الإقليمية المميّزة هذه العلامة، التي تضمن للمشتري أن المنتج صُنع بطريقة محددة، وفي مكان محدد، ووفق معايير محددة. وتقول جوليا دي كاسترو من المجلس الوطني الفرنسي لتسميات منشأ منتجات الألبان: "تسمية محمية المنشأ هي، قبل كل شيء، إطار يحدّد ماهية المنتج نفسه."

Every barrel of traditional balsamic vinegar is monitored as it matures, preserving the authenticity and production methods protected under PDO

Every barrel of traditional balsamic vinegar is monitored as it matures, preserving the authenticity and production methods protected under PDO

Spinneys producer Roussas still matures its feta in beechwood barrels, crafted by the few remaining artisanal coopers of Anillo village, balancing ancient traditions with modern production

Spinneys producer Roussas still matures its feta in beechwood barrels, crafted by the few remaining artisanal coopers of Anillo village, balancing ancient traditions with modern production

وتتابع: "فهي تضع مواصفات صارمة تتعلّق بالمنشأ والمواد الخام والممارسات الزراعية وأساليب الإنتاج، بما يضمن بقاء المنتج مرتبطاً فعلياً ببيئته المحلية وبالخبرات المتوارثة فيها." ومن زاوية ما، ولا سيما في ثقافة منتجات الألبان الفرنسية، يكون الاتحاد الأوروبي قد تبنّى في جوهر الأمر مفهوماً تعود جذوره إلى أول الأختام الملكية التي وُضعت على أقراص جبنة روكفورت.

وتقول جوليا: "يمثّل نظام تسمية محمية المنشأ امتداداً حديثاً لتقليد فرنسي عريق. فقد خضعت أنواع كثيرة من الأجبان الإقليمية على مدى قرون لأعراف محلية وقواعد مكتوبة ومعايير مشتركة اتفق عليها المنتجون. وفكرة أن تُصنع الجبنة بطريقة محددة، من حليب منتج محلياً ووفق ممارسات مشتركة، متجذّرة في التاريخ الريفي الفرنسي. لذلك لم يفرض نظام تسمية محمية المنشأ شيئاً مصطنعاً، بل أضفى الصفة الرسمية على ما كان قائماً بالفعل ووفر له الحماية... أي على إرث ثقافي مشترك."

وتقرّ بأنّ الوضع قبل عام 1992 كان "مجزّأً" إلى حد ما بين المناطق والدول. فقد كان المزارعون والبائعون في المناطق المختلفة يواجهون تحدياتهم الخاصة في إثبات جودة منتجاتهم وأصالتها للمستهلكين، ولاسيّما مع وجود جهات أقل نزاهة تبيع نسخاً مقلّدة رخيصة ورديئة من المنتجات الأصلية.

وعلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، في اليونان مثلاً، لم يكن الجميع ملتزماً بالوصفات العريقة. فبحسب الأساطير اليونانية، كان هذا الطعام هدية من آلهة جبل الأولمب إلى البشر، فيما حدّدت التقاليد العريقة لمزارعي الساراكَتساني الرحّل النسب الأساسية لصناعة الفيتا بـ70% من حليب الأغنام و30% من حليب الماعز. لكن قبل اعتماد نظام تسمية محمية المنشأ، "كان بعض المنتجين يصنعونها حتى من حليب الأبقار ويستمرون في تسميتها فيتا"، بحسب يانيس تيربيتساس، مدير تطوير الأعمال في شركة روساس للألبان في ثيساليا، وهي شركة عائلية ينحدر أصحابها مباشرةً من رعاة القبائل.

ولا يعني ذلك أن هذه النسب كانت يوماً قواعد ثابتة لا تتغيّر. ففي حين تسمح معايير تسمية محمية المنشأ بأن تصل نسبة حليب الماعز في الخليط إلى 35%، تكتفي شركة روساس بنسبة تقارب 7%، بعدما وجدت أن ذلك يجعل جبن الفيتا أقل حموضة وأكثر استساغة، وبالتالي أسهل في التسويق، ولا سيما في الأسواق التي لا يألف المستهلكون فيها مذاقه.

ومع أنّ الشركة تحرص قدر الإمكان على اتباع ما يسمّيه يانيس "الأساليب العريقة" حتى عند الإنتاج على نطاق صناعي، فإنّ تسمية محمية المنشأ لا تُلزم المنتجين بالبقاء أسرى للماضي، ولاسيّما في ما يتعلّق بمعايير النظافة والسلامة الصارمة المعتمدة اليوم.

Roquefort’s royal charter of 1411 granted exclusive production rights to local cheesemakers, laying the foundations for what would become today’s Protected Designation of Origin (PDO) system

Roquefort’s royal charter of 1411 granted exclusive production rights to local cheesemakers, laying the foundations for what would become today’s Protected Designation of Origin (PDO) system

Traditional balsamic vinegar is aged in residue-rich batteria – sets of barrels made from woods including oak, chestnut and juniper, each helping shape its distinctive character

Traditional balsamic vinegar is aged in residue-rich batteria – sets of barrels made from woods including oak, chestnut and juniper, each helping shape its distinctive character

ويقول: "لا تتعارض الأساليب التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة. فغالباً ما تستطيع الأتمتة محاكاة العمليات اليدوية القديمة التي تشكّل جزءاً أساسياً من صناعة المنتجات الحاصلة على تسمية محمية المنشأ، كما فعلنا في صناعة جبن الفيتا من خلال اعتماد التخثّر الآلي."

ويرى يانيس أن هذا النظام يضمن احتفاظ الجبنة بخصائصها الأساسية، حتى مع تطوّر الأدوات المستخدمة في صناعته مع مرور الزمن. لذلك لا تزال عائلة روساس تعتّق جبن الفيتا في براميل من خشب الزان يزوّدها بها عدد قليل من حرفيي صناعة البراميل الذين ما زالوا يمارسون هذه الحرفة في قرية أنيلو، في أعالي جبال بيندوس، بالتوازي مع استخدام أحدث وحدات البسترة وتقنيات التغليف المستدام، وأسطول من الشاحنات المزوّدة بخزانات مبردة لنقل حليب الأغنام.

ويقول يانيس: جبنة الفيتا والجبنة اليونانية اسمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر. كما أنّ المنشأ عامل أساسي في اختيارات المستهلكين. وهذا تحديداً ما تحميه تسمية محمية المنشأ." ومن واقع خبرته في هذا القطاع، وجد أن أكثر من 30 عاماً من تطبيق نظام تسمية محمية المنشأ أسهمت في توعية المتسوّقين وحثّهم على البحث عن علامتها "بوصفها دليلاً على الأصالة." لكن هذا الوعي لا ينطبق بالضرورة على جميع المنتجات التي تحمل العلامة نفسها.

ولنا في الخل البلسمي من مودينا الإيطالية مثال على ذلك؛ إذ يُحضّر في براميل خشبية توضع على أسطح المباني في المدينة، باستخدام عنب من كروم منطقة إميليا رومانيا المحيطة بها. وفي عام 2000، حصل هذا المنتج على تسمية محمية المنشأ، إلى جانب شهادة المؤشر الجغرافي المحمي، التي تخضع لشروط أقل صرامة بقليل وتسمح في كثير من الأحيان بتنفيذ جزء واحد على الأقل من عملية الإنتاج خارج المنطقة المحددة.

ووفقاً لإنريكو غاتي، مدير التصدير في مجموعة أوليتاليا، "لا تزال المنتجات الحاصلة على تسمية محمية المنشأ تشغل حصة محدودة من السوق، فيما تنتشر المنتجات الحاصلة على المؤشر الجغرافي المحمي بصورة أكبر على الرفوف". أما المتسوّق العادي، فلا يبدو أنّه يعرف فعلياً الفرق بينهما أو يوليه اهتماماً كبيراً.

ويقول إنريكو: "تمنح هذه الشهادة المستهلكين بالتأكيد ضماناً بشأن منشأ المنتج وأساليب إنتاجه، لكن المعرفة بهذا الموضوع لا تزال محدودة إلى حد كبير للأسف." ومع ذلك، نجحت أوليتاليا في بناء علامة عصرية واسعة النجاح تستند إلى تقاليد حرفية عريقة؛ فقد استخدم الرومان الخل المغلي لأغراض علاجية، فيما أصبح الخل البلسمي في مودينا خلال العصور الوسطى رمزاً لثراء العائلات، وكثيراً ما كان يُقدَّم ضمن مهور العرائس من الأسر الأرستقراطية.

The coopers of Anillo village continue to hand-build the beechwood barrels essential to the traditional maturation of authentic Greek feta

The coopers of Anillo village continue to hand-build the beechwood barrels essential to the traditional maturation of authentic Greek feta

Traditional balsamic vinegar can only be made using the must of Trebbiano, Lambrusco or Ancellotta grapes

Traditional balsamic vinegar can only be made using the must of Trebbiano, Lambrusco or Ancellotta grapes

وتنصّ تسمية محمية المنشأ اليوم على استخدام عصير العنب غير المخمّر حصراً من أصناف تريبيانو أو لامبروسكو أو أنشيلوتا. ويُسحق العنب ويُعصر، ثم يُغلى العصير حتى يصل تركيزه إلى ما بين 30% و50%، قبل تعتيقه في براميل غنية بالرواسب تُعرف باسم «باتيريا»، وتختلف في أحجامها وأنواع أخشابها، مثل البلوط والكستناء والعرعر. ويقول إنريكو: "لا يقبل عشّاق هذا الخل، ولا سيما الطهاة، بأقل من ذلك، كما أصبح تقليد المنتجات الأصلية عالية الجودة أصعب بكثير مما كان عليه في الماضي."

ويضيف: "يتولى الاتحاد المختص تعبئة الخل البلسمي الحاصل على تسمية محمية المنشأ حصراً في زجاجات جوجارو، وتحمل كل زجاجة ختم ضمان فريداً يجعل اكتشاف الغش والتقليد أسهل مقارنةً بمنتجات أخرى." ولعلّ متسوّقي سبينس يولون منشأ طعامهم اهتماماً خاصاً، إذ وُلد ونشأ كثير من المقيمين في الإمارات خارجها، وغالباً ما يبحثون أثناء التسوّق عن منتجاتهم المفضلة الواردة مباشرةً من أوطانهم.

لذلك تزخر تشكيلة سبينس فوود بالمنتجات الحاصلة على تسمية محمية المنشأ، إلى جانب منتجات أخرى تركّز بدورها على المنشأ، فيما تمتد التشكيلة الأوسع لتشمل القشطة الإنجليزية وشاي الرويبوس من جنوب أفريقيا وصلصة السمك الفيتنامية. وبالطبع، ليس الاتحاد الأوروبي وحده من يحرص على حماية منتجاته في السوق العالمية، إذ تطبّق مناطق أخرى من العالم أنظمة مشابهة إلى حد ما. لكن تسمية محمية المنشأ تتميّز بمكانة خاصة، بحسب جوليا من المجلس الوطني الفرنسي لتسميات منشأ منتجات الألبان، التي تشير إلى فوائدها بالنسبة إلى الاقتصادات الريفية والزراعة المستدامة والتنوّع الحيوي ونقل المهارات التقليدية. وتضيف: "الأمر لا يتعلّق بالمذاق وحده، بل بالمعنى والمسؤولية أيضاً."

وتضيف أن هذا النظام أوجد، من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، مفارقة إيجابية؛ إذ إن توحيد اللوائح بين الدول الأعضاء أسهم أيضاً في تعزيز خصوصية كلّ دولة على حدة. وتقول: "من خلال وضع إطار مشترك، يمكننا حماية الهوية المحلية." وتزداد أهمية هذه الحماية في عالم تزداد فيه العولمة يوماً بعد يوم.

وتتابع: "نعم، ولعلّ هذا أهم دور تؤديه تسمية محمية المنشأ اليوم. ففي منظومة غذائية قد تبدو فيها المنتجات بلا هوية، تعيد تسمية محمية المنشأ ربط المستهلكين بمصدر المنتجات. وتذكّرهم بأن الطعام ليس مجرد سلعة، بل يأتي من مكان وأرض ومناخ ومزرعة وأناس."